languageFrançais

الذكاء الاصطناعي في الإعلام.. من السرعة إلى اختبار التثبت

يشهد المشهد الإعلامي والرقمي في تونس تحولاً هيكلياً فرضته الموجات المتتالية لتطبيقات  الذكاء الاصطناعي، التي انتقلت من مجرد أدوات تقنية مساندة إلى فاعل أساسي يشارك في إعادة تشكيل صناعة المحتوى وتوجيه التفاعلات الرقمية. 

وفي وقت يتزايد فيه حضور هذه التقنيات داخل المؤسسات الإعلامية والاستخدامات اليومية للمواطنين، يبرز تحدٍّ مهني يتمثل في التوازن بين التدفق الخوارزمي السريع وبين متطلبات التثبت والنزاهة الصحفية.

هذا الواقع يضع الصحفيين التونسيين أمام مسؤولية تقتضي الانتقال من أدوار النقل التقليدي للأخبار إلى تفعيل آليات الرقابة التحريرية والتثبت، لمواجهة ظواهر التضليل الرقمي، وهلوسة النماذج التوليدية، وغياب التحري الميداني.


استخدام الإنترنت والمهارات الرقمية لسنة 2026

يستدعي فهم أبعاد هذا التحول تحليل المؤشرات الإحصائية المتعلقة بالسلوك الرقمي للمجتمع التونسي، حيث أظهرت نتائج المسح الوطني حول استخدام الإنترنت والمهارات الرقمية لسنة 2026، الصادر عن مرصد الهيئة الوطنية للاتصالات، اتساعاً في قاعدة مستخدمي شبكة الإنترنت لتصل إلى 85.9% من عينة المسح، التي شملت 4145 مشاركاً من مختلف الفئات العمرية.

وترافق هذا الاتساع مع الاعتماد الشبه كلي على الاتصال الجوال، إذ بلغت نسبة استخدام خطوط الهاتف الجوال 95.4%، بينما يمتلك 84.3% من المستجوبين هواتف ذكية تمثل بوابتهم الرئيسية للوصول إلى المضامين، في حين اقتصرت نسبة امتلاك الحواسيب على 41%، مما يؤكد أن الهاتف الذكي هو المحرك الأساسي للتحول الرقمي. ولم يقتصر التحول على التصفح العام، بل شمل الخدمات الرقمية والتجارة الإلكترونية والبوابات الحكومية المرقمنة.

أما المؤشر الأكثر دلالة، فهو الانخراط المباشر في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، حيث أفاد 47.9% من مستخدمي الإنترنت بتوظيف هذه الأدوات في مجالات مختلفة.
 

 

مشاركة المعطيات الشخصية

تتقاطع هذه المعطيات مع نتائج تقرير "MEDIANET INSIGHT" الصادر عن مؤسسة "ميديا نات"، والذي بيّن أن 71% من التونسيين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي بانتظام، في حين يعتمد نحو 80% عليها في أنشطتهم اليومية المرتبطة بالدراسة والعمل والبحث، وتتصدر الفئات الشابة دون 24 عاماً قائمة الأكثر إقبالاً على هذه التقنيات. 

وفي جانب آخر يتعلق بسلوك الاستخدام، صرّح 71% من المشاركين بسبق مشاركتهم لمعلومات شخصية مع أنظمة الذكاء الاصطناعي، مما يعكس مستوى عالياً من الثقة بهذه التطبيقات والتعامل معها كمصدر للاستشارة والتوجيه.

ويرتب هذا السلوك مخاطر تتصل بخصوصية البيانات وأمنها، إلى جانب احتمالية التعرض لمحتويات غير دقيقة أو منحازة دون تمحيص، وهو ما يضاعف من أهمية تقديم محتوى صحفي متحقق منه يضمن تقديم معلومات موثوقة للجمهور.

 

 

تحديات وفرص الذكاء الاصطناعي

وعلى مستوى المؤسسات الصحفية، يتسم التعاطي مع تقنيات الذكاء الاصطناعي بالحذر في ظل وجود قيود تقنية ومالية وتدريبية. 

فقد أشارت الدراسة المسحية لعام 2025 بعنوان "الصحافة والذكاء الاصطناعي: تحديات وفرص الذكاء الاصطناعي في تونس" إلى أن المؤسسات الإعلامية التونسية بدأت بتطبيقات محددة، مثل البحث عن المعلومات، والترجمة، وتحليل البيانات، وتفريغ التسجيلات، والتحقق من الأخبار، إلى جانب تجارب محدودة في معالجة الصوت والصورة، بينما لا يزال إنتاج الفيديو الآلي في مراحل أولية.

وتظل هذه الاستخدامات تجريبية بسبب عقبات رئيسية، تترأسها المشكلات اللغوية؛ إذ تُشكل اللهجة التونسية عائقاً تقنياً نظرًا لقصور المنصات العالمية في معالجة التنوع اللغوي المحلي بدقة، مما يؤثر سلباً على كفاءة التفريغ الصوتي والتحليل النصي الآلي ويضطر الصحفيين للتدخل اليدوي للتصحيح. 

ويضاف إلى ذلك العائق المالي المتمثل في ارتفاع كلفة الاشتراكات وتطوير البنية التحتية، فضلاً عن النقص الفادح في التكوين المستمر والبرامج التدريبية المتخصصة.

وفي هذا السياق، أوضح رئيس النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين زياد الدبار، أن الصحافي التونسي يمتلك المرونة الكافية للتأقلم مع التقنيات الحديثة، إلا أن الفجوة تكمن في غياب السياسات المؤسسية الموجهة للتدريب والتوعية داخل القطاع. 

ومن جانبه، أكد مدير التدريب بالمركز الإفريقي لتكوين الصحفيين والاتصاليين، سامي الوسلاتي، على ضرورة إدماج الذكاء الاصطناعي في المناهج التكوينية بوصفه أداة مساعدة في البحث وتحليل البيانات، مع التأكيد على عدم إمكانية استبداله بالتقييم التحريري والتحليل البشري المستقل.

الفجوة المعرفية

تتزايد المخاوف الأخلاقية والقانونية مع اتساع نطاق الاعتماد على المحتوى المولد آلياً دون تدقيق بشري. ووفقاً لتقرير أوروبي استشهدت به دراسة "دعم وسائل الإعلام"، فإن نحو 45.3% من الصحفيين المشاركين يفتقرون للتدريب الكافي لتقييم موثوقية أدوات الذكاء الاصطناعي أو كشف التحيزات الخوارزمية. 

تُسهم هذه الفجوة المعرفية في ظواهر مثل "فقاعات المعلومات" الناتجة عن تخصيص المحتوى، مما قد يؤدي إلى الاستقطاب الاجتماعي، إلى جانب مخاطر تتعلق بحماية البيانات والأطر القانونية. 

كما يبرز تباين في الأولويات بين الإدارات التنفيذية التي تنظر للتقنية كأداة لتقليل التكاليف، وبين الصحفيين الميدانيين الذين يركزون على معايير الجودة والاستقلالية المهنية، خاصة أمام انتشار مزارع المحتوى وزيادة تقنيات "التزييف العميق" الصوتي والمرئي.

 

 

ميثاق وطني ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي


استجابةً لهذه المعطيات، أصدر مجلس الصحافة في تونس أول ميثاق وطني ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل الصحفي كإطار مرجعي أخلاقي ومهني. 

وقد حدد الميثاق عدة مبادئ حاسمة تأتي في مقدمتها مركزية المسؤولية البشرية والحصرية في التقييم التحريري والقانوني، إلى جانب الشفافية الإجرائية عبر الإفصاح للجمهور عند توظيف الذكاء الاصطناعي، ومكافحة التحيز الخوارزمي، وصون استقلالية الخط التحريري، والتمسك بالمعايير المهنية التاريخية كالدقة والتحري وحماية المصادر. 

كما رسم الميثاق خطوطاً حمراء تحظر نشر المواد المولدة بالكامل آلياً دون تدقيق بشري، أو استخدام التزييف العميق، أو إدخال البيانات السرية للمصادر في المنصات المفتوحة، مقترحاً إحداث "ختم ثقة" للمؤسسات الملتزمة بمعايير الاستخدام المسؤول.


 

 

وفي تصريح مصور حول هذه التطورات، أشارت حنان زبيس، نائب رئيس مجلس الصحافة، إلى أن الذكاء الاصطناعي يحمل إمكانيات مزدوجة في بيئة المعلومات؛ فهو يتيح أدوات متقدمة لتوليد محتويات مضللة عالية الدقة، وفي المقابل يوفر خوارزميات تسمح للصحفيين بكشف التزييف وتحليل مصداقية المواد الرقمية، داعية إلى استراتيجية تجمع بين المهارات الميدانية التقليدية للتثبت وبين المهارات الرقمية الحديثة مع حتمية الرقابة البشرية. 

ومن جهته، بين الصحفي والمدقق في اضطراب المعلومات، صابر العياري، أن تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي وفرت تسهيلات في الترجمة والصياغة، لكنها وسعت نطاق المحتوى المزيف، وهو ما يتطلب إتقان مهارات فحص البيانات الوصفية، والتحليل العكسي للصور والمقاطع، والتحقق من التلاعب الصوتي، متداركاً أن المخرجات الآلية تظل عرضة للهيلوسة مما يتطلب تدقيقاً مستمراً.

حيث تُظهر المؤشرات الميدانية والدراسات المسحية أن الذكاء الاصطناعي يمثل تحولاً أدواتياً في بيئة الإعلام التونسية وليس بديلاً عن العنصر البشري. 
ويتطلب الاستثمار الإيجابي لهذه التكنولوجيا تحديث الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي لتشمل خططاً مخصصة لقطاع الإعلام، إلى جانب دعم إنشاء مختبرات الابتكار الإعلامي وتفعيل برامج التدريب المستمر.

كما أن قدرة الصحافة التونسية على مواكبة التحول الرقمي تظل مرتهنة بمدى الالتزام بالمعايير الأخلاقية، والموازنة بين سرعة التدفق التقني ودقة التحري التحريري، لضمان تقديم مادة إعلامية تتسم بالموضوعية والمصداقية.

 

صلاح الدين كريمي


تم إنتاج هذا التقرير، ضمن زمالة الذكاء الاصطناعي في الاعلام لمنطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا، بدعم من الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية، وهذا المحتوى لا يعكس بالضرورة وجهة نظر الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية.
استُعين بأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في إعداد هذا العمل. وقد رُوجع المحتوى بالكامل وجرى التحقق من دقّة كل معلومة ومصدر ورد فيه قبل النشر، كما بُذل الجهد قدر الإمكان لتنقية المخرجات من أي تحيّز، سواء في اللغة أو في تأطير الأحداث أو في اختيار المصادر. وتقع المسؤولية التحريرية الكاملة عن هذا العمل على عاتق معدّه.